أحمد بن علي القلقشندي

528

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الطرّانة على مسيرة يوم منها ، وتقدّم في كلام صاحب « التعريف » أنه لا يعلم في الدنيا بقعة صغيرة يستغلّ منها أكثر مما يستغلّ منها ، فإنها نحو مائة فدّان تغل نحو مائة ألف دينار كل سنة . والمعدن الثاني بالفاقوسية على القرب من الخطارة ، ويعرف بالخطاريّ ، وهو غير لاحق في الجودة بالأوّل . قال في « نهاية الأرب » : وأوّل من احتجر النّطرون أحمد بن محمد بن مدبّر ( 1 ) نائب مصر قبل أحمد بن طولون ، وكان قبل ذلك مباحا . قال في « قوانين الدواوين » : وهو في طور محدود لا يتصرف فيه غير المستخدمين من جهة الديوان ، والنفقة على كل قنطار منه درهمان ، وثمن كل قنطار منه بمصر والإسكندرية لضيق الحاجة إليه سبعون درهما ، قال : والعادة المستقرّة أنه متى أنفق من الديوان في العربان عن أجرة حمولة عشرة آلاف قنطار ، ألزموا بحمل خمسة عشر ألف قنطار ، حسابا عن كل قنطار قنطار ونصف . ثم قال : وأكثره مصروف في نفقة الغزاة . قلت : أما في زماننا فقد تضاعفت قيمة النّطرون وغلا سعره لاحتجار السلطان له ، وأفرط حتّى خرج عن الحدّ ، حتّى إنه ربما بلغ القنطار منه مبلغ ثلاثمائة درهم أو نحوها . وقد كان على النّطرون مرتّبون من كتّاب دست وكتّاب درج وأطباء وكحالين ( 2 ) وغيرهم وجماعة من أرباب الصدقات يستأدون ذلك ، وينفقون على حمولته إلى ساحل النيل بالبلدة المعروفة بالطَّرّانة المتقدّمة الذكر ، ويبيعونه على من يرغب فيه ليتوجه به في المراكب إلى الوجه القبليّ ، ولم يكن لأحد أن يبيع شيئا بالوجه البحريّ جملة ، ثم بطل ذلك في أواخر الدولة الظاهرية برقوق ، وصار النطرون بجملته خالصا للسلطان جاريا في الديوان المفرد تحت نظر أستاذ دار ، يحمل إلى الإسكندرية والقاهرة فيخزن في شون ثم يباع منها ،

--> ( 1 ) قال المقريزي : « وهو أول من أحدث مالا سوى مال الخراج بمصر ، لما ولي خراج مصر بعد سنة 250 ه . وكان من دهاة الناس وشياطين الكتاب » . ( خطط المقريزي : 1 / 103 ) . ( 2 ) أطباء العيون .